تكتب الدكتورة زرقاء بارفاز مستعيدة صباح 28 فبراير 2026، حين أيقظ تنبيه طارئ سكان قطر وطلب منهم البقاء داخل منازلهم. بعد دقائق دوّت الانفجارات، ومرّت الطائرات المسيّرة في السماء، ودخلت المنطقة لحظة حرب مفتوحة. لا يكتب الكاتب بصفته مراقبًا بعيدًا، بل شاهدًا يعيش داخل دولة استثمرت لسنوات في بناء قنوات دبلوماسية هدفت إلى حفظ التوازن الهش في المنطقة.

 

وينشر موقع ميدل إيست مونيتور هذا المقال في سياق تحليل اندلاع الحرب بعد أيام فقط من مؤشرات دبلوماسية بدت واعدة. فقد سبقت الضربات العسكرية تصريحات متفائلة لمسؤولين تحدثوا عن اختراق حقيقي في المفاوضات المتعلقة بالملف النووي الإيراني.

 

تقدم دبلوماسي قُطع بالقصف

 

 

تابع الكاتب طوال عام تقريبًا مسار التصعيد التدريجي: تهديدات متزايدة من إدارة دونالد ترامب، نوافذ تفاوض أُغلقت تباعًا، وتعزيز عسكري أمريكي متصاعد في الخليج. لذلك لم يدهشه وصول الحرب بقدر ما أدهشه توقيتها.

 

قبل يوم واحد فقط من اندلاع القتال، تحدث وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي في مقابلة مع شبكة CBS عن تقدم دبلوماسي وصفه بالتاريخي. وأشار إلى أن ثلاث جولات من المحادثات غير المباشرة في جنيف قادت إلى صيغة اتفاق تقضي بعدم تخزين إيران أي مواد نووية مخصبة وعدم تراكمها، مع نظام تحقق كامل.

 

وأكد البوسعيدي أن الهدف النهائي يتمثل في ضمان عدم امتلاك إيران سلاحًا نوويًا، مضيفًا أن المفاوضات حققت اختراقًا غير مسبوق في هذا الملف. بل حددت الأطراف موعدًا لاجتماع تقني في فيينا خلال الأسبوع التالي.

 

لكن بعد أقل من 48 ساعة أطلقت الولايات المتحدة وإسرائيل عملية عسكرية حملت اسم “Epic Fury”.

 

يرى الكاتب أن تلك اللحظة تكشف جوهر الحرب: لم تنطلق في غياب الدبلوماسية، بل رغم وجود اختراق تفاوضي حقيقي احتاج أشهرًا من العمل.

 

اعترافات كشفت خلفيات القرار

 

 

كشفت الأيام التالية للضربات تصريحات لافتة من مسؤولين أمريكيين. فقد أقر وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أمام صحفيين في الكونغرس بأن واشنطن كانت تعلم مسبقًا نية إسرائيل ضرب إيران، وأن الإدارة الأمريكية خشيت من رد إيراني يستهدف القوات الأمريكية.

 

وأوضح روبيو أن بلاده اختارت تنفيذ ضربة استباقية لتقليل الخسائر المحتملة في صفوف القوات الأمريكية. وردّ وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بلهجة مباشرة قائلًا إن الولايات المتحدة دخلت حربًا اختيارية لصالح إسرائيل، مؤكدًا أن الحديث عن تهديد إيراني مباشر لم يكن واقعيًا.

 

أثارت تلك التصريحات نقاشًا داخل المعسكر السياسي الأمريكي نفسه. فقد عبّر السيناتور جي دي فانس في السابق عن رفضه لحرب مع إيران معتبرًا أنها ستستهلك موارد ضخمة دون فائدة استراتيجية واضحة. وتحدثت تقارير عن تهميشه خلال الأيام التي سبقت الضربات.

 

يعيد الكاتب في هذا السياق التذكير بطرح قدّمه العالمان جون ميرشايمر وستيفن والت في كتابهما “The Israel Lobby and U.S. Foreign Policy” عام 2007. فقد جادلا بأن السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط كثيرًا ما تتأثر ببنية ضغط سياسي تدفعها نحو خيارات تتوافق مع المصالح الاستراتيجية لإسرائيل حتى عندما تتعارض مع المصالح الأمريكية المباشرة.

 

نظام أمني مهدّد بالانهيار

 

 

يحاول المقال تفسير الأزمة عبر فهم طبيعة العلاقة الأمنية بين الولايات المتحدة ودول الخليج. فقد بنت واشنطن خلال عقود شبكة قواعد عسكرية في المنطقة تحت شعار حماية تدفق الطاقة وردع التهديدات الإقليمية.

 

في المقابل وفّرت دول الخليج تسهيلات عسكرية واستثمارات مالية كبيرة في الاقتصاد الأمريكي، إضافة إلى شرعية سياسية لوجود عسكري غربي في المنطقة.

 

لم تكن تلك العلاقة متكافئة تمامًا، لكنها قامت على التزام ضمني مفاده أن الوجود العسكري الأمريكي لن يتحول إلى مصدر لزعزعة استقرار المنطقة.

 

لكن الهجوم الذي انطلق في 28 فبراير غيّر هذه المعادلة. فقد ردّت إيران بضرب قواعد عسكرية أمريكية ومنشآت مدنية في الخليج، ما أدخل دولًا لم تشارك في القرار العسكري إلى قلب الصراع.

 

يشير الكاتب إلى أن قطر، التي تستضيف إحدى أكبر القواعد الأمريكية في المنطقة، بنت سمعتها الدولية على دور الوسيط في النزاعات. فقد استضافت مفاوضات أفغانستان ومحادثات بشأن غزة وأوكرانيا، كما ساعدت في تهيئة منصات للحوار الأمريكي الإيراني.

 

ومع ذلك استيقظ سكانها صباح ذلك اليوم على أصوات الطائرات المسيّرة والإنذارات الطارئة.

 

نظام دولي يواجه اختبارًا قاسيًا

 

 

يضع المقال الحرب ضمن سياق أوسع يتعلق بتراجع النظام الدولي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية. فقد بُني ذلك النظام على فكرة أن المؤسسات الدولية والتشابك الاقتصادي يقللان احتمال الحروب الكبرى.

 

لكن الأحداث الأخيرة تكشف، في نظر الكاتب، حدود هذا التصور. فقد عجزت الأمم المتحدة عن منع التصعيد أو فرض قراراتها، ما يسلط الضوء على ضعف المؤسسات الدولية عندما تتعارض مصالح القوى الكبرى.

 

ويستعيد الكاتب تحليل المفكر فرانتز فانون الذي رأى أن النظام الدولي بعد الاستعمار لم ينهِ علاقات الهيمنة القديمة بل أعاد تشكيلها في صورة جديدة تعتمد على القواعد العسكرية والاتفاقيات الأمنية والمؤسسات المالية.

 

وفق هذا المنظور تبدو العلاقة الأمنية بين الولايات المتحدة ودول الخليج نموذجًا واضحًا لهذا النمط: حماية مقابل نفوذ استراتيجي واقتصادي.

 

تكشف أحداث فبراير، في رأي الكاتب، أن تلك المعادلة لم تعد مستقرة. فقد أظهر الصراع أن النظام الأمني القائم قد يتحول من مصدر حماية إلى مصدر خطر.

 

ويختم المقال بسؤال مفتوح يواجه دول المنطقة: كيف يمكن بناء نظام أمني جديد قائم على توازن حقيقي في المصالح، بعدما كشفت الحرب هشاشة الترتيبات التي حكمت المنطقة لعقود

 

http://www.middleeastmonitor.com/20260305-a-deal-was-on-the-table-they-bombed-it/